الأحد، 15 فبراير، 2015

عن الست وزمن التدخين المسموح

لم أفهم أبدا الرجال والنساء بحفلات أم كلثوم ، الذين يستمعون لها وهم يدخنون ، تصدح الست بكل كيانها المدجج المُطلق على المسرح وتتصاعد أدخنة السجائر في المسافة بينها وبينهم ، أي فعل رديء! كيف سمحت لهم هؤلاء الجهلاء، وكيف  لم يقض عليها ذلك مبكراُ؟
أراهم جميعاُ بثياب السهرة ، بوجودهم الأزلي في تلك المساحة الصغيرة التي تتكرر كلما كررنا الأغنية ، في نفس الزمن إلى ما لانهاية ،في نفس الزهو مجمدين في سلطنتهم الخالدة، ويتصاعد الدخان...
بتمهل وبتلذذ يدخنون وهم يتأوهون ، غافلون عن أزمات العالم اللاحقة ، والسابقة ، مدموغون بزمنهم الرتيب ، المؤكد ، فكل هانم ستردي لباس سهرة أنيق سيأتي من المكان الفلاني وستكويه الخادمة أو المكوجي على أول الناصيةفي الهرم الإجتماعي، وستذهب حتما لحفلة من حفلات الست بصحبة الزوج وربما تكرر الحفلات مع السجائر المشتركة ، عندما كانت المساحة ممكنة ومتاحة لنفث دخان ما ، عندما كان للعالم أعمدة وزوايا وعندما كانت الست هي الست: المطلق للغناء والمطلق في الكون ،الثابت لمتغيرات ضبابية.
 دورة الحياة كانت غير مشكوك فيها ، ميلاد فبلوغ فزواج فنهاية حياة تليق بدائرة يجب أن تستمر بلا كدر ما ، تلعب الفلسفة علي الهامش، لا ماركسية ستهدد ولا مابعد كولانية ستغير ولا وجودية ستهزم أسطورة الست ، الست الأبدية المصنوعة من فولاذ مستمر لا يهزمه شيئ لا حضور ولا عشق ولا دخان سجائر ولا موت.
أمي وأبي نالا نصيبهما من الست ، أبي قام بواجبه في دورة الحياة على أكمل وجه ، وكرجل أصيل ، هو أيضا سافر واجتهد وعمل لشراء البيت وتأمين الحياة ومن ثَم إنجاب الأولاد وبالطبع الحصول على  كاسيت يخرج منه أغاني الست يستمع لها باليل ، الست لليل لا للنهار ، مع سُحب السجائر التي كان تصل إلينا وتستقر في رئتنا مع تذمرنا الأهوج من طاغوت صوتها ،ومات في نهاية الأمر راضياُ ربما عما أنجزه.
العالم يبدو بلا أعمدة ، سائلاً ثقيلاً حتى الأعناق، أصبح التدخين ممنوعاً في الأماكن المغلقة ، كنا لنحصل على صورة أرقى، بلا ضباب لو استمرت الست ، علّنا لم نغرق في كل هذا الشتات
فيما كان الدخان؟ لماذا يتغيب رجال وسيدات لم يروا الرؤوس المقطوعة بديلا عن كرة القدم ، وراء سحب الضباب والأحلام بالليل المديد؟ كيف كان مذاق أول مرة استماع لأغنية مثل "رق الحبيب" أو "يا مسهرني" ، لماذا لم يسجل أي رسام استشراقي في لوحات هذا الأثر الأولي المندثر؟؟
لن نعرف، فكل لاحق على الست هو إعادة لحلم منقضي خالد في مكمنه الأول، لكننا نستفيد بالتأكيد من القانون  الصارم ولافتات "ممنوع التدخين"....


هناك تعليقان (2):

محمد سلامة يقول...

فكرتينى بواحد
كنت بأقوله الأغانى حرام
قالى الأغانى حرام بس الست مش حرام :)
وأنا واحد من الناس اللى باستغرب إزاى ناس كانوا بيجيبوا وقت كل اسبوع يروحوا يحضروا عشان أغنية جديدة !!!
تحياتى

Zianour يقول...

نورت
http://www.alaraby.co.uk/culture/8e5aa26e-2f04-4fd9-b411-9e0f6ca4dadf
:)