السبت، 15 أغسطس، 2015

تساؤل

من سيطعم العصافير بعدما أختفى راعيها؟  ظل السؤال يلح أياماً بعدما اختفى جارنا بالأعلى ولم نعد نسمع العصافير ليل نهار كالسابق تحوم حول البناية ، ولم تعد هناك أي حبوب منثورة بكل مكان بالحديقة .
تأخذني التساؤلات المشابهة للتفكير عن أهمية السؤال بكل صيغه المعروفة ومدى أهمية صيغة عن صيغة ومدى كمية الأسئلة التي تدور حولها حياة البشر وما هو السؤال الذي يحفرنا على مر الحياة ، هكذا دوما يأخذني سؤال بسيط أو حادث عارض للتساؤل بشكل أعم ، شكل لا يحتاجه العالم ، العالم الذي ينتقي أهمية أسئلته بمعزل عن البشر أنفسهم ويفرض عليهم الإجابات ، الإجابات التي نهرب منها أو نموت من أجلها ..
يا للجار المسكين والعصافير المسكينة ، هكذا أفكر - كالعادة- ويستغرقني التفكير حتى يخرج الصغير من استغراقه هو الأخر ليسألني  أسئلة ضخمة  تبدو له ملحة ويبحث لها هو الأخر عن الأجابات .
- ماما ، ما هو مصير قلمي الألوان الأزرق بعدما يصير صغيراً جداً لدرجة أنني لن أستطيع الإمساك به والتلوين؟
لم أشأ القول أننا سنرميه بالطبع ، الحقيقة لم أفكر أبداً في مصير الأقلام المنتهية ، تنهدت حالمة وأنا أقول :
- سيأخذ أجازة طويلة لأنه أصبح على المعاش ويستحق أن يرتاح بعدما أدى واجبه على أكمل وجه.
- ماما، ولكن هل سيموت قلمي المفضل؟ هل سيذهب للجنة؟ هل سننساه؟
- ممم ، أظنه سيذهب للجنة لأنه قلم طيب ولن ننساه لأنه موجود في كل اللوحات الجميلة التي لونتها .
- ماما، هل أحتفظ به للأبد ؟ حتى عندما أصبح عجوزاً وشعري أبيض؟
- إذا أردت!
- ماما ، ولكن سيصبح لدي أقلاماً كثيرة قصيرة للغاية لا يمكن الإمساك بها عندما أصبح عجوزاً ، من سيحتفظ بها بعد ذلك؟
يا إلهي ! يا للأسئلة! تربكني أسئلته أكثر من أي شيء أخر ، أكثر من أسئلتي ، ربما لإني أحاول فهم النقط السوداء في منظومة تبدو منطقية ، أما هو فيرميني في نقطه السوداء التي لا أفهم لها منطق.
- ماما، عندما تكبرين ويصير شعرك كله أبيض ، هل ستموتين عندها؟
- ربما!
- ستتركيني؟
-لا سأكون معك طبعاً !
- ولكن جدي ذهب هو الأخر ولا أستطيع رؤيته أو الحديث معه، كيف ستكونين معي؟
- سأكون بقلبك وذكرياتك ، عندما نلعب معاً أو نأكل معاً أوأحكي لك حكاية ، أنت تحتفظ بكل ذلك في قلبك ويظل معك للأبد.
- ولماذا تبكي جدتي عندما اتحدث معها عن جدي؟ هي أيضاً لديها هذه الذكريات أليس كذلك؟
- .... لأنها تفتقده.
- أنا أيضاً سأفتقدك إذا مُتي!  هل يمكنني الموت معكِ؟
- لماذا تقول ذلك!!
- أريد أن أظل معكِ يا ماما!
- سنكون معاً يا حبيبي للأبد!
- هل ستنتظريني لنموت معاً؟؟ هل تعديني يا ماما؟؟
- (يائسة ) أعدك يا حبيبي، أعدك.
أخرج من أسئلته منهكة ، نقاطه السوداء تتسع وأغرق فيها بينما هو يبتسم وهو ينتظر مني إجابات  قاطعة
- ماما، أنا أحبك ... أحبك جداً .... أموت فيكِ
- ماما أفتقدك كثيراً ، لا تتأخري على اليوم ، لأني أحبك!
الحياة هشة ، هكذا أفكر ، تضطرب على حافة سؤال ، نهرب منه لإجابات مريحة حتى ننسى.
- ماما، ماذا تعرفين عني؟
- أعرف أنك لطيف  وابتسامتك ساحرة  وانني أحبك.  راقني فجأة أن ألقيه في نقاط سوداء غير شريرة  : وأنت ماذا تعرف عني ؟
- أعرف أنك لطيفة وأنك تحبيني ، وأنا متاكد أننا سنلتقي يوماً ما بعد الموت!
تتقاذفني نقاطه السوداء التي تتسع وتتسع بينما يلهو بحصواته الملونة ، يتحدث إليها ويصنفها ، أتساءل لماذا ارفل في كل هذا الازعاج التساؤلي بينما لا يبدو عليه  أدنى إشارة منه ، بل يستمر في حيويته اللائقة بطفل في الخامسة ، تشع عيناه نفس السحر والشجن ،وابتسامته كما هي لا يقاومها مخلوق، كيف للحياة النابضة الصاخبة بالجمال أن ترميني في كل هذا التلاطم  ؟
ربما يجب السيطرة على الأسئلة ، فكل سؤال وله جواب ، هذا مؤكد ... لحد ما ! لكن السؤال يثير أسئلة  والمزيد من الأسئلة.
أبادره بخفوت لأرى إجاباته :
- حبيبي ، لماذا تجمع هذه الحصوات الملونة من الحديقة؟
بادرني بصخب وسعادة : إنظري إليها يا ماما، هذه حصوة زيتونية وهذه وردية ، الوردية نادرة جداً ، لأنها كانت على شاطئ البحر عندما كان الماضي موجوداً وابتلعها البحر طويلاً وعندما انتهى الماضي ، عادت الحصوة الوردية إلى العالم ، هذه حصوة سوداء ، إنظري إنها تلمع وتشبه المركب في البحر ، وهذه حصوة بيضاء مثل نجمة ، بل هي كانت نجمة ولكنها تشاجرت مع أخواتها النجمات ووقعت على الأرض .
نظرت برجفة إلى كيس حصواته الذي به كل الإجابات المفصلة، وإلى ابتسامته الجميلة وصوته العذب، إلى أصابعه الطائشة ، إلى الفضاء الذي يلفنا بنقاطه السوداء والمضيئة .
- حبيبي لماذا لم تعد هناك عصافير في الحديقة كالسابق؟

- يا ماما ، لقد ذهب الرجل فتبعته العصافير ، ربما مات ، فماتت معه كي تظل معه ، وربما ذهب لبيت أخر فذهبت معه، وربما حملته على أجنحتها لقضاء عطلة على شاطيء البحر ، هل ستظلين أنت أيضاً معي يا ماما؟ 

ليست هناك تعليقات: